القرطبي

154

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بسم الله الرحمن الرحيم ( رب يسر وأعن ) قوله تعالى : آلم ( 1 ) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( 2 ) اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور ، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن ، ولله في كل كتاب من كتبه سر . فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، ولا يجب ( 1 ) أن يتكلم فيها ، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت . وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر . وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور ، ولا ندري ما أراد الله عز وجل بها . قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم ( 2 ) قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء ، وأطلعكم على ما شاء ، فأما ما أستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه ، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون ( 3 ) به ، وما بكل القرآن تعلمون ، ولا بكل ما تعلمون تعملون . قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم ، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ، فمن آمن بها أثيب وسعد ، ومن كفر وشك أثم وبعد . حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : " الذين يؤمنون بالغيب " [ البقرة : 3 ] .

--> ( 1 ) في نسخة من الأصل : ( ولا يجوز أن نتكلم فيها . . . وتمر كما ) الخ . وفي نسخة : ( وتقر كما جاءت ) . ( 2 ) قال صاحب تهذيب التهذيب : ( في التقريب الربيع بن خثيم ، بضم المعجمة وفتح المثلثة . ولكن في الخلاصة بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة . ( 3 ) في نسخة من الأصل : ( تجزون به ) .